الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

183

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

العرش بالاستواء ، لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القابلة للفيض الرحماني ، وهذا الاستواء صفة من صفات الله تعالى لا يشبه استواء المخلوقين ، كالعلم صفة من صفاته لا يشبه علم المخلوقين إذ ليس كمثله شيء وهو السميع العليم ، ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك الحق تعالى لعرفت نفسك فعرفت ربك ، وذلك أن الله تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم ، استعمل روحك بخلافته ليتصرف في النطفة أيام الحمل فيجعلها عالماً صغيراً مناسباً للعالم الكبير فيكون بدنه بمثابة الأرض ورأسه بمثابة السماء وقلبه بمثابة العرش وسره بمثابة الكرسي ، وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه ، ثم استوى الروح بعد فراغه من الشخص الكامل على عرش القلب استواء ليتصرف في جميع أجزاء الشخص ويدبر أموره بإفاضة فيضه على القلب ، فإن القلب هو القابل لفيض الحق تعالى إلى المخلوقات كلها ، كما أن القلب مغتنم فيض الروح إلى القالب كله ، فإذا تأملت في هذا المثال تأملًا شافياً وجدته في نفي الشبيه عن الصفات المن - زهة المقدسة كافياً ، وتحققت حقيقة : من عرف نفسه فقد عرف ربه « 1 » إن شاء الله تعالى » « 2 » . [ مسألة - 8 ] : في سبب إطلاق لفظة الحقيقة على العرش يقول الشيخ أبو العباس التجاني : « لما كانت كل حقيقة منطوية على ما لا غاية له من العلوم والمعارف والأسرار والمواهب والفيوض : أطلق عليها عروش من هذا الميدان ، لأن العرش محيط بما في جوفه من جميع المخلوقات ، وأيضاً أن العرش هو غاية الرفعة والعلو والشرف من المخلوقات في علم الخلق ، وكانت الحقائق في غاية العلو والرفعة والشرف ، لأنها برزت من حضرة الحق الذي لا غاية لعلوه وشرفه ، ولا علو وراءه ، فهو غاية الغايات في العلو والرفعة والشرف ، وكانت الحقائق البارزة من حضرته سبحانه وتعالى مكسوة بهذه الصفة العلية من العلو

--> ( 1 ) - فيض القدير ج : 5 ص : 50 . ( 2 ) - الشيخ إسماعيل حقي البروسوي تفسير روح البيان ج 3 ص 175 .